لو أننا أظهرنا بأفعالنا وسلوكنا مكارم أخلاق الإسلام وكمال حقائق الإيمان، لدخل أتباع الأديان الأخرى في الإسلام جماعات وأفواجاً، بل لربما رضخت دول العالم وقاراته للإسلام.


ضياء الوجدان العلوم الدينية، ونور العقل العلوم الكونية، وبامتزاجهما تنجلي الحقيقة، وعند افتراقهما يتولد التعصب في الأول، والشك والشبهة في الثاني.


إن رضا الله سبحانه وتعالى يُكتسَب بالإخلاص وليس بكثرة الأتْباع ولا بكثرة النجاح والتوفيق...إن جعل الناس يقبلون كلامك ويلتفون حولك هو مما يتولاه الله تعالى، فأدِّ واجبك، ولا تتدخل في شئون الله وتدبيره.
إن الإخلاص ونشدان الحق يقتضي الانحياز إلى استفادة المسلمين أينما كانت وممن كانت، وفكرة أن يتلقوا الدرس مني أنا وحدي ويُكسِبوني الثواب؛ إنما هي حيلة النفس والأنانية وخديعتهما.


إن تصادم الأفكار الحاصل باسم الحق وفي سبيل الحقيقة يختلف في الوسائل فقط مع الاتفاق في المقاصد والأساسات، وتُظهِر كلَّ زاوية من زوايا الحقيقة فتَخدم الحق والحقيقة. ولكن تصادم الأفكار الناتج عن انحياز وغرض بتكبر وأنانية ومن أجل النفس الأمارة المتفرعنة ونيل الشهرة؛ لا تلمع منه بارقة الحقيقة، بل ترمي منها شرارت الفتن؛ لأنه ينبغي الاتفاق في المقصد؛ إذ لا توجد نقطة تلاق لأفكار هؤلاء على الكرة الأرضية؛ ولأنه ليس من أجل الحق تجد فيه إفراطا لا نهاية له، ويتسبب في انشقاقات غير قابلة للالتئام، وحاضر العالم شاهد على هذا.


فما للذين يدَّعون أنهم يخدمون الإسلام لا ينسون عداواتهم الجزيئة فيمهدون سبل إغارة الأعداء عليهم، مع أن هنالك أعداء لا حصر لهم أخذوا وضع الهجوم عليهم! إن هذه الحالة سقوط ووحشية وخيانة للحياة الاجتماعية الإسلامية.


? فيا معشر المؤمنين! أتدرون كم يبلغ عدد الأعداء -الذين هم بمنزلة العشائر- المتأهبين للإغارة على عشيرة أهل الإيمان؟ هم أكثر من مائة دائرة كالدوائر المتداخلة، فهل يليق بأهل الإيمان بأي وجه من الوجوه الانحياز إلى غرضٍ، والعناد في عداء، اللذان هما بمنزلة تسهيل هجوم الأعداء عليهم وفتحِ الأبواب لدخولهم في حرم الإسلام في حين أنهم مضطرّون لأن يتخذوا وضع الدفاع تجاههم متكاتفين متساندين! وإن دوائر الأعداء ابتداء من أهل الضلالة والإلحاد وانتهاء بعالم الكفر وأهوال الدنيا ومصائبها، هي دوائر متداخلة اتخذت أوضاعا مضرة لكم، ودوائر خلف بعضها البعض تنظر إليكم بطمع وغضب، فلربما تبلغ السبعين نوعا من الأعداء. فسلاحك القوي وخندقك الأمين وقلعتك الحصينة تجاه كل أولئك الأعداء هو الأخوة الإسلامية.


ينبغي للقوة أن تخدم الحق
إن لم تتساند دساتير الحكمة، ونواميس الحكومة، والقوانين الكامنة في الحق وقواعد القوة وإن لم يستمد كل منها من الآخر، فلن تكون مثمرة ولا مؤثرة لدى جمهور الناس، تظل شعائر الشريعة مهمَلة ومعطلة، ولا تكون مستَندًا ولا معتمدًا في أمور الناس.


السياسة المرتكزة على أساس المنفعة وحش مفترس
إن السياسة الحاضرة الدائرة رحاها على المنافع وحشٌ مفترس. فإنَّ تَحَبُّبَكَ إلى وحشٍ كاسر جائع بالتودد لا يستثيرُ عطفَه بل يُهَيِّجُ شَهِيَّته، ثم يعود ويطلب منك أجرةَ أنيابِهِ وأظفاره.


إن منشأ جميع الأخلاق السيئة وجميع الاختلالات في الحياة الاجتماعية البشرية هو كلمتان: أولاهما: إذا شبعتُ أنا فما لي إن مات غيري من الجوع. ثانيتهما: اعمل أنت لآكل أنا. وإن الذي يديم هاتين الكلمتين هو جريان الربا وترك الزكاة. وإن العلاج الوحيد الذي يداوي هذين المرضين الخطيرين الاجتماعيين هو وجوب الزكاة مع تطبيقها كدستور شامل وتحريم الربا.


إنه لو كان لي ألف روح فإنني مستعد للتضحية بها جميعًا في سبيل الإيمان والآخرة..


أيا مَنْ بعتم دينكم بدنياكم، أيها التعساء، افعلوا ما شئتم. ستكون الدنيا وبالاً عليكم، لقد فُديتْ هذه الدعوة المقدسة بملايين الأبطال، ونحن مستعدون لأن نفديها بأرواحنا، إننا نفضل البقاء في السجن ألف مرة على أن نرى الحرمات تنتهك.


ألا فلتعلموا جيدًا بأنه لو كان لي من الرءوس بعدد ما في رأسي من شعر، وفُصل كل يوم واحد منها عن جسدي؛ فلن أحني هذا الرأس- الذي نذرته للحقائق القرآنية- أمام الزندقة والكفر المطلق، ولن أتخلى أبدًا عن هذه الخدمة الإيمانية النورية، ولا يمكنني أن أتخلى.


إن رسائل النور ليست كالمؤلفات الأخرى التي تستقي معلوماتها من مصادر متعددة من العلوم والفنون، فلا مصدر لها سوى القرآن، ولا أستاذ لها إلا القرآن ولا ترجع إلا إلى القرآن، ولم يكن عند المؤلف أي كتاب آخر حين تأليفها، فهي ملهمة مباشرة من فيض القرآن الكريم وتنزل من سماء القرآن ومن نجوم آياته الكريمة...إن رسائل النور ليست نورًا مقتبسا وبضاعة مأخوذة من معلومات الشرق وعلومه ولا من فلسفة الغرب وفنونه، بل هي مقتبسة من العرش الرفيع السماوي لمرتبة القرآن الكريم الذي يسمو على الشرق والغرب.


إن أعداءنا ليسوا الأجانب، وإنما أردانا إلى هذا الموضع وحال بيننا وبين إعلاء كلمة الله مخالفتنا للشريعة الغراء نتيجة جهلنا بها، والضرورة التي أثمرت سوء الأخلاق وسوء المعاملات، والاختلاف الذي أنتج الأغراض الشخصية والنفاق..إن عدونا هو الجهل والضرورة والاختلاف، وسنجاهد هؤلاء الأعداء الثلاثة بسلاح الصناعة والمعرفة والاتفاق.